loader image






المذهب المالكي

الأبعاد النفسية والاجتماعية لأصول المذهب المالكي

    لقد كان عمل أهل المدينة بما هو أصل من أصول الاستدلال لدى مالك رحمه الله مميزا لمذهبيته على المستوى الفقهي، لكنه أحدث مع الزمن نوعا من الخصوصية والنفسية والاجتماعية على المستوى الحضاري والعمراني. وذلك بأن شكل نسيجا اجتماعيا مطبوعا بحب الاستقرار والتآلف والاندماج، لأن الحكم الفقهي بما تواتر من عمل بين الناس واستمر، رسخ في الوجدان الديني الرغبة في السير على المعروف من الأحكام، وعدم الإغراب في الدين والتدين. وهذا المعنى هو الذي طوره المغاربة على المستوى المنهجي، فأحدثوا ما يسمى في الفقه المالكي – بالمغرب والأندلس – “ما جرى عليه العمل”/ كالعمل الغرناطي، والعمل الفاسي، والعمل السوسي، وهلم جرا…

المزيد

وهذه قاعدة ترجع عند مالك إلى العمل بدليل المخالف له، والخروج إلى مذهبه، بضوابط محددة على المستوى الأصولي، لا بما يمليه الهوى الشخصي، أو الرغبة في الترخص غير المنضبط بقواعد الشرع. وإنما غايتها رفع ضرر ما، بعد وقوع نازلة معينة، مما قد لا تكون قواعد المذهب وافية برفعه في خصوص تلك النازلة. ولهذا فإن أغلب فقهاء المذهب لا يرون إعمال قاعدة مراعاة الخلاف إلا فيما بعد وقوع النازلة لا قبله، حتى لا تكون مدعاة للتلاعب بالأحكام والتنقل العابث بين المذاهب. ومن هنا فمالك يجيز للمسبوق في الصلاة، إذا أدرك الركوع مع الإمام، وخاف فوات الركعة، أن يجعل تكبيره للركوع نفس تكبيرة الإحرام، رغم أنه لا يجيز ذلك في الأوضاع العادية. كما أغنه راعى خلاف أبي حنيفة في زواج المرأة بغير ولي، فأجاز عقد من وقع منها ذلك ولم يستدرك قبل الدخول، إذ الحكم بدليله الأول الذي يمنع نكاح المرأة بغير ولي معناه تشريد أسرة قائمة الآن! فهذا زواج قد وقع، فيعمل بدليل المخالف لدرء هذه المفسدة النازلة.

المزيد

وهي قاعدة مرجعية في الفقه المالكي، تحتكم إلى جلب المصالح ودرء المفاسد فيما لا نص فيه، عملا بمقاصد الشريعة وقواعدها الكلية. إلا أنها هي أيضا أسهمت في تشكيل ثقافة اجتماعية لدى الإنسان المغربي: وهي النزوع إلى الصلاح والإصلاح على الصعيد العام، في تدبير الشؤون كلها، فيكون الاحتكام إليها في المبادرات، وعقد الموازنات، وتحديد الأولويات، مما يعمق مفهوم المواطنة، ويطبع السلوك الديني إزاءها بالإيجابية والفعالية.

   وهذه من أعظم القواعد المميزة للمذهب المالكي، ومن أعمقها أثرا على المستوى النفسي والاجتماعي! وهي راجعة إلى اعتبار المألات المتوقعة عند تنزيل الأحكام الشرعية على عللها، تحقيقا لمناطاتها في ظروف الزمان والمكان وأحوال الإنسان. ومراعاة المآل في ذلك هي النظر فيما قد يؤول إليه الحكم الشرعي – بعد النطق به، أو بعد تنفيذه- بناء على التوقعات الراجعة إلى كل تلك الاعتبارات. فهي إذن “نظر مستقبلي”، ودرء للمفاسد المتوقعة، وليس الواقعة فحسب! فيتم تكييف الحكم الشرعي بحسب تلك المعطيات المنهجية، رغم شهود النصوص الشرعية له بالاعتبار! لما تبين من أدائه إن قيل به- على حسب تلك الظروف المقدرة بقواعد الفقه لا بالهوى- إلى ضد ما شرع ذلك الحكم من أجله، من جلب المصالح أو درء المفاسد!

المزيد

المذهب المالكي ثقافة اجتماعية ونفسية

   ليس المذهب المالكي بالمغرب مجرد منهجية أصولية في الاستنباط والاستدلال الفقهي، ولا هو مجموعة من الأحكام التي قال بها مالك بن أنس رضي الله عنه، ومضى عليها العلماء من بعد متبعين، ومخرجين عليها، ومجددين، وإنما هو – فوق ذلك – إرث حضاري، وثقافة اجتماعية، وهوية دينية، وقدرة تأليفية على المستوى النفسي والاجتماعي والسياسي.

   والواعظ أو المرشد الديني عندما يغفل ذلك ولا ينضبط به، يصطدم حتما مع الخصوصية الحضارية للمجتمع المغربي التي تشكلت عبر تراكم تاريخي أصيل ومتين، ويترتب عن ذلك فشل خطابه الديني، وتشكيل جيوب مرضية منغلقة تؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي المغربي. وهو ما يخالف مقاصد الشريعة في التآلف والتعاطف والتواد.

   وبيان ذلك أن المذهب المالكي قد صار بالمغرب ثقافة اجتماعية، تشكلت أولا عبر التفاعل الفقهي في مجال التدين، مما أعطى خصوصية حضارية للأمة المغربية بحيث أسهم إلى حد بعيد في تشكيل النفسية الاجتماعية في المجال الديني والاجتماعي العام للمواطن المغربي. بل إنك لتجد السلوك المذهبي المالكي الحاص بالمغاربة حاضرا حتى خارج المسجد، وفي غير المجال التعبدي الخاص لقد صار عندهم طريقة حياة، ومنهج تفكير، وطبيعة عمرانية واجتماعية، وذلك بما تشكل في خلفية المواطن- بما هو مغربي عبر التاريخ من تفاعلات، مرجعها أحكام المذهب وأصوله المنهجية التي رسمت له نوعا معينا من التفكير، ومنهجية محددة للحياة، في كل مجالاتها، فامتد ذلك عبر الأجيال على أن شكل نفسية اجتماعية عامة، تقوم على التعاطف والتآلف والانسجام. وهذا واضح جدا عند تبين طبيعة الأصول المنهجية التي وضعها مالك رحمه الله لمذهبه، والتي اعتمدها المغاربة منذ أمد بعيد، وطلقوها بما يناسب الطبيعة الاجتماعية والبيئية للمغرب، مما جعل للمذهب المالكي بالمغرب خصوصية امتاز بها حتى على المذهب المالكي بالمشرق، بله المذاهب الأخرى. وهذا من الأمور المعروفة لدى فقهاء المالكية قديما وحديثا. ومن ههنا يمكن أن نشير إلى الآثار النفسية والاجتماعية- دون الفقهية- لأهم أصول المذهب التي شكلت هذه الخصوصية،

المذهب المالكي ثقافة اجتماعية ونفسية

   ليس المذهب المالكي بالمغرب مجرد منهجية أصولية في الاستنباط والاستدلال الفقهي، ولا هو مجموعة من الأحكام التي قال بها مالك لن أنس رضي الله عنه، ومضى عليها العلماء من بعد متبعين، ومخرجين عليها، ومجددين، وإنما هو – فوق ذلك – إرث حضاري، وثقافة اجتماعية، وهوية دينية، وقدرة تأليفية على المستوى النفسي والاجتماعي والسياسي.

   والواعظ أو المرشد الديني عندما يغفل ذلك ولا ينضبط به، يصطدم حتما مع الخصوصية الحضارية للمجتمع المغربي التي تشكلت عبر تراكم تاريخي أصيل ومتين، ويترتب عن ذلك فشل خطابه الديني، وتشكيل جيوب مرضية منغلقة تؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي المغربي. وهو ما يخالف مقاصد الشريعة في التآلف والتعاطف والتواد.

   وبيان ذلك أن المذهب المالكي قد صار بالمغرب ثقافة اجتماعية، تشكلت أولا عبر التفاعل الفقهي في مجال التدين، مما أعطى خصوصية حضارية للأمة المغربية بحيث أسهم إلى حد بعيد في تشكيل النفسية الاجتماعية في المجال الديني والاجتماعي العام للمواطن المغربي. بل إنك لتجد السلوك المذهبي المالكي الحاص بالمغاربة حاضرا حتى خارج المسجد، وفي غير المجال التعبدي الخاص لقد صار عندهم طريقة حياة، ومنهج تفكير، وطبيعة عمرانية واجتماعية، وذلك بما تشكل في خلفية المواطن- بما هو مغربي عبر التاريخ من تفاعلات، مرجعها أحكام المذهب وأصوله المنهجية التي رسمت له نوعا معينا من التفكير، ومنهجية محددة للحياة، في كل مجالاتها، فامتد ذلك عبر الأجيال على أن شكل نفسية اجتماعية عامة، تقوم على التعاطف والتآلف والانسجام. وهذا واضح جدا عند تبين طبيعة الأصول المنهجية التي وضعها مالك رحمه الله لمذهبه، والتي اعتمدها المغاربة منذ أمد بعيد، وطلقوها بما يناسب الطبيعة الاجتماعية والبيئية للمغرب، مما جعل للمذهب المالكي بالمغرب خصوصية امتاز بها حتى على المذهب المالكي بالمشرق، بله المذاهب الأخرى. وهذا من الأمور المعروفة لدى فقهاء المالكية قديما وحديثا. ومن ههنا يمكن أن نشير إلى الآثار النفسية والاجتماعية- دون الفقهية- لأهم أصول المذهب التي شكلت هذه الخصوصية،

الأبعاد النفسية والاجتماعية لأصول المذهب المالكي

    لقد كان عمل أهل المدينة بما هو أصل من أصول الاستدلال لدى مالك رحمه الله مميزا لمذهبيته على المستوى الفقهي، لكنه أحدث مع الزمن نوعا من الخصوصية والنفسية والاجتماعية على المستوى الحضاري والعمراني. وذلك بأن شكل نسيجا اجتماعيا مطبوعا بحب الاستقرار والتآلف والاندماج، لأن الحكم الفقهي بما تواتر من عمل بين الناس واستمر، رسخ في الوجدان الديني الرغبة في السير على المعروف من الأحكام، وعدم الإغراب في الدين والتدين. وهذا المعنى هو الذي طوره المغاربة على المستوى المنهجي، فأحدثوا ما يسمى في الفقه المالكي – بالمغرب والأندلس – “ما جرى عليه العمل”/ كالعمل الغرناطي، والعمل الفاسي، والعمل السوسي، وهلم جرا…

المزيد

وهذه قاعدة ترجع عند مالك إلى العمل بدليل المخالف له، والخروج إلى مذهبه، بضوابط محددة على المستوى الأصولي، لا بما يمليه الهوى الشخصي، أو الرغبة في الترخص غير المنضبط بقواعد الشرع. وإنما غايتها رفع ضرر ما، بعد وقوع نازلة معينة، مما قد لا تكون قواعد المذهب وافية برفعه في خصوص تلك النازلة. ولهذا فإن أغلب فقهاء المذهب لا يرون إعمال قاعدة مراعاة الخلاف إلا فيما بعد وقوع النازلة لا قبله، حتى لا تكون مدعاة للتلاعب بالأحكام والتنقل العابث بين المذاهب. ومن هنا فمالك يجيز للمسبوق في الصلاة، إذا أدرك الركوع مع الإمام، وخاف فوات الركعة، أن يجعل تكبيره للركوع نفس تكبيرة الإحرام، رغم أنه لا يجيز ذلك في الأوضاع العادية. كما أغنه راعى خلاف أبي حنيفة في زواج المرأة بغير ولي، فأجاز عقد من وقع منها ذلك ولم يستدرك قبل الدخول، إذ الحكم بدليله الأول الذي يمنع نكاح المرأة بغير ولي معناه تشريد أسرة قائمة الآن! فهذا زواج قد وقع، فيعمل بدليل المخالف لدرء هذه المفسدة النازلة.

المزيد

وهي قاعدة مرجعية في الفقه المالكي، تحتكم إلى جلب المصالح ودرء المفاسد فيما لا نص فيه، عملا بمقاصد الشريعة وقواعدها الكلية. إلا أنها هي أيضا أسهمت في تشكيل ثقافة اجتماعية لدى الإنسان المغربي: وهي النزوع إلى الصلاح والإصلاح على الصعيد العام، في تدبير الشؤون كلها، فيكون الاحتكام إليها في المبادرات، وعقد الموازنات، وتحديد الأولويات، مما يعمق مفهوم المواطنة، ويطبع السلوك الديني إزاءها بالإيجابية والفعالية.

   وهذه من أعظم القواعد المميزة للمذهب المالكي، ومن أعمقها أثرا على المستوى النفسي والاجتماعي! وهي راجعة إلى اعتبار المألات المتوقعة عند تنزيل الأحكام الشرعية على عللها، تحقيقا لمناطاتها في ظروف الزمان والمكان وأحوال الإنسان. ومراعاة المآل في ذلك هي النظر فيما قد يؤول إليه الحكم الشرعي – بعد النطق به، أو بعد تنفيذه- بناء على التوقعات الراجعة إلى كل تلك الاعتبارات. فهي إذن “نظر مستقبلي”، ودرء للمفاسد المتوقعة، وليس الواقعة فحسب! فيتم تكييف الحكم الشرعي بحسب تلك المعطيات المنهجية، رغم شهود النصوص الشرعية له بالاعتبار! لما تبين من أدائه إن قيل به- على حسب تلك الظروف المقدرة بقواعد الفقه لا بالهوى- إلى ضد ما شرع ذلك الحكم من أجله، من جلب المصالح أو درء المفاسد!

المزيد
X